من يسبق في الانحناء، أمريكا أم إيران؟


الوضع في الشرق الأوسط، بعد أن شهد تقلبات حادة في البداية، دخل مرحلة من الجمود. القتال والتفاوض هو الوضع الطبيعي الآن، وإذا لم تتفق الأطراف، قد تتطور الأمور إلى مواجهة كبيرة. وإذا كانت المفاوضات تسير بشكل جيد، أو إذا لم يعد الطرفان قادرين على التحمل، فسيعلن كل طرف انتصاره.
لذا، نرى أنه بعد تأجيل ضربات منشآت الكهرباء الإيرانية لمدة 5 أيام، أعلن ترامب مرة أخرى عن تمديدها لعشرة أيام أخرى. من الواضح أنه إذا لم تكن هناك اتصالات ومفاوضات جوهرية بين أمريكا وإيران، فلن يختار ترامب الاستمرار في تأجيل الهجوم.
أما من جهة إيران، فقد أُعلن أنهم ردوا رسميًا على خطة وقف إطلاق النار المكونة من 15 نقطة التي اقترحتها الولايات المتحدة. وبالطبع، كان ردهم هو الرفض.
لكن هذا لا يعني أن إيران لا تريد التفاوض، بل إنها لا تريد أن تتفاوض بالطريقة التي تريدها أنت، فوجهت إيران خمسة شروط: وقف العدوان والاغتيالات بشكل كامل، إنشاء آلية فعالة لضمان عدم تكرار الحرب، تعويض خسائر الحرب، وقف شامل لجميع الجبهات، والاعتراف بالسيادة القانونية لإيران على مضيق هرمز.
رغم أن الشروط الخمسة لإيران لا تزال قوية، إلا أنها بدأت تظهر واقعية مقارنة بالماضي. مثل مطالب إخراج القوات الأمريكية من الشرق الأوسط، وإلغاء مطالب محاكمة وسائل الإعلام المعادية لإيران، كلها اختفت. من هذا المنظور، حتى لو كانت إيران متشددة، فهي تعرف متى تتراجع ومتى تتقدم، لكن الواقعية لا تعني الاستسلام، فهذه المرة، إذا أرادت أمريكا وقف الحرب، فهي يجب أن تستمع لإيران.
لننظر واحدًا تلو الآخر، هل من الممكن تحقيق الشروط الخمسة لإيران؟ أولها وقف العدوان، وهو في الواقع مجرد موقف من الطرف الآخر، فطالما اتفق الطرفان، فهي مسألة كلام فقط. لكن المشكلة تكمن في من يسبق في الانحناء وإظهار الضعف؟
من خلال التغيرات الأخيرة التي قام بها ترامب، هناك احتمال معين. في البداية، هدد بقصف منشآت إيران، وقدم إنذارًا نهائيًا خلال 48 ساعة، لكنه أعلن لاحقًا عن تأجيلها 5 أيام، ثم مددها لعشرة أيام أخرى. هذا التصرف واضح أنه محاولة للعب على الحبال، وكلما قال ذلك، زاد شعوره بعدم اليقين، وإذا كان مصممًا على القتال، فكيف يمكن أن يتغير الأمر بهذه السهولة؟
أما النقطة الثانية، فهي إنشاء "آلية فعالة" لمنع تكرار الحرب. يبدو الأمر ضروريًا، لكنه في الواقع غير ممكن على الإطلاق. إيران اليوم تدرك أن القوة هي الحقيقة، وأن القوة الصلبة هي أفضل ضمان. حتى لو وُجدت آلية، فهي غير ملزمة لأمريكا، وإذا شعرت أن الوقت مناسب، يمكن لترامب أن يلغي جميع الآليات ويشن هجومًا آخر على إيران.
كما فعل عندما انسحب بشكل أحادي من الاتفاق النووي الإيراني، واغتال قادة إيران تحت ذريعة التفاوض. من الواضح أن إيران تدرك ذلك، ولهذا رفضت شروط أمريكا وكشفت في تقاريرها عن الوجه الحقيقي للخصم.
ما يسمى بمفاوضات أمريكا، هو مجرد خدعة. تقديم شروط غير قابلة للتنفيذ، والرفض المسبق، يجعل الطرف المرفوض هو من يفسد السلام. إيران أدركت نوايا أمريكا، وردت بالمثل، مانعة إياها من اتهامها، فهدف أمريكا هو خداع الرأي العام العالمي، وخفض أسعار النفط، وكسب الوقت لغزو الأرض. ولا تلوم إيران الآن على عدم الثقة بأمريكا، فالأخيرة هي التي أفسدت سمعتها.
التاريخ يثبت مرارًا أن التحالف تحت السيف لا يدوم طويلًا. ثم تأتي النقطة الثالثة، وهي تعويضات الحرب. عبر أكثر من مئتي سنة من التاريخ الأمريكي، لم أسمع أبدًا عن دفع تعويضات للخصم. من فيتنام إلى العراق، ومن أفغانستان إلى سوريا، كل الحروب كانت تترك الطرف الآخر مدمراً، ثم يرحلون. الآن، تطالب إيران أمريكا بالاعتراف بالخطأ ودفع التعويضات، وهو أمر يتطلب شجاعة كبيرة.
لكن المفاجئ أن ترامب أخذ الأمر بجدية، وقدم خطة تتضمن رفع تجميد أصول إيران كتعويض عن الحرب. لا يمكن إنكار أن ترامب يتاجر، فهو لا يضطر لدفع من جيبه، ويعطي الطرف الآخر فرصة. أما النقطة الرابعة، فهي وقف شامل لجميع الجبهات. إيران، كزعيم، تريد أن تظهر بموقف قوي، وتدعم حلفاءها.
الآن، تستغل إسرائيل وجود القوات الأمريكية، وتشن هجمات على شمال لبنان، وتريد إنشاء منطقة آمنة بطول 30 كيلومترًا. وبسبب الفارق في القوة، فإن حزب الله وضعه غير مطمئن، وإيران تريد أن تضبط إسرائيل. نتنياهو يرى ذلك، ويخشى أن يوقع ترامب على اتفاق تنازلات مع إيران.
لذا، أمر على الفور بقصف منشآت إيران العسكرية خلال 48 ساعة، وكأنه يريد أن يوقف المفاوضات. وأخيرًا، النقطة الخامسة، وهي السيادة على مضيق هرمز. هذه هي جوهر إيران، وهي ورقتها الأخيرة. كممر رئيسي للطاقة في العالم، من يسيطر عليه، يسيطر على الاقتصاد العالمي.
إيران بدأت الآن تحصيل "رسوم عبور"، وتُقال على الإنترنت أن كل سفينة تدفع بين 15 و20 ألف دولار. هذه خطوة عبقرية، فهي لا تقتصر على استغلال الموقع الجغرافي، بل تطالب أمريكا بالاعتراف بشرعيتها. على السطح، لا تزال أمريكا وإيران تتحدثان، لكنهما بدأتا في التراجع بشكل عملي. والآن، الأمر يعتمد على رد فعل ترامب.
في الواقع، الصراع الأساسي بين الطرفين ليس لا يمكن حله، أمريكا تريد أن تنحني إيران، وتضمن عدم تطوير أسلحة نووية، وعدم دعم الجماعات المسلحة المجاورة. وإيران تريد مساحة للبقاء، واستمرار حكمها، ورفع جميع العقوبات. الطرفان بدأا في التفاوض، والوضع قد لا يتدهور أكثر.
ما يجب الانتباه إليه الآن هو مشاعر الرأي العام في كلا البلدين. إيران موحدة الآن، وإذا استسلمت بسهولة، فسيكون من الصعب عليها الموافقة على وقف الحرب. أما أمريكا، فهي أيضًا في موقف حساس، فترامب لا يريد أن يتوقف بسهولة، لكنه يواجه انتخابات وسطية قادمة وضغوط اقتصادية، مما يصعب عليه اتخاذ قرار. في هذه الحالة، من الصعب أن يوافق أحد الطرفين على التنازل أولاً. والأهم، أن هناك إسرائيل في الوسط، ونتنياهو لا يهتم برأي ترامب، فهو يريد تصعيد الأمور، لذا، أوقفت القوات الأمريكية هجماتها، والطائرات الإسرائيلية تواصل التحليق. والأهم من ذلك، أن كبار المسؤولين الإيرانيين الذين كانوا يتفاوضون مع أمريكا، تم اغتيالهم واحدًا تلو الآخر على يد إسرائيل، فمَن يبقى الآن ليفاوض مع أمريكا؟ وجود هذا العامل غير المستقر يزيد من صعوبة التوقعات بإنهاء المفاوضات. إيران تراهن على أن أمريكا لا تجرؤ على الحرب، وأمريكا تراهن على أن إيران لن تصمد، وإسرائيل تراهن على الوقت، والجميع يقف في مواجهة بعضهم البعض. الوضع أصبح صراعًا ثلاثيًا، ومن يظن أنه سينتصر في النهاية، فهو يواجه حرب استنزاف طويلة ومؤلمة. على الأقل، في الوقت الحالي، لا تزال السلام في الشرق الأوسط بعيد المنال!
شاهد النسخة الأصلية
post-image
post-image
post-image
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
  • أعجبني
  • تعليق
  • إعادة النشر
  • مشاركة
تعليق
إضافة تعليق
إضافة تعليق
لا توجد تعليقات
  • Gate Fun الساخن

    عرض المزيد
  • القيمة السوقية:$2.22Kعدد الحائزين:1
    0.00%
  • القيمة السوقية:$2.22Kعدد الحائزين:1
    0.00%
  • القيمة السوقية:$2.22Kعدد الحائزين:0
    0.00%
  • القيمة السوقية:$2.25Kعدد الحائزين:1
    0.00%
  • القيمة السوقية:$2.26Kعدد الحائزين:1
    0.00%
  • تثبيت