تصدير الذهب من روسيا إلى الصين أصبح علامة رئيسية على إعادة تشكيل المشهد الاقتصادي العالمي. وفقًا لإحصائيات الجمارك الصينية لعام 2025، بلغ صافي واردات روسيا من الذهب إلى الصين 25.3 طن، بزيادة هائلة قدرها 800% مقارنة بالعام السابق، محطماً الرقم القياسي في تجارة الذهب بين البلدين. وراء هذا الرقم يكمن قصة كاملة عن كيفية كسر دولة خاضعة للعقوبات للحصار — باستخدام الأصول المادية لتجنب تجميد الحسابات، والتسوية باليوان لتجاوز سيطرة سويفت، وتبادل الذهب مقابل المنتجات الصناعية الضرورية للبقاء على قيد الحياة.
اختراق الذهب في مأزق العقوبات
عندما قامت الغرب بتجميد أصول مالية روسية بقيمة مئات المليارات من الدولارات، ظهرت ظاهرة متناقضة: الدولة التي تعرضت لعقوبات شاملة سرعان ما بدأت تصدير الذهب بشكل متزايد. الجواب يكمن في شكل تجميد الأصول — حيث يتم تجميد “الأرقام على الحسابات”، بينما الذهب هو وجود مادي حقيقي.
احتياطيات الذهب لدى البنك المركزي الروسي موزعة بين المقر الرئيسي في موسكو ومستودعات سرية في الشرق الأقصى، وهذه المعادن المادية لا تعتمد على أي نظام دفع إلكتروني، ولا تتأثر بسيطرة الدولار، مما يمنحها حصانة طبيعية من العقوبات المالية الدولية. بالمقابل، فإن الأصول المجمدة لدى المؤسسات المالية الغربية، رغم ضخامة قيمتها، أصبحت رموزًا رقمية غير فعالة.
روسيا كانت قد أعدت مسبقًا لهذا السيناريو. منذ أزمة القرم في 2014، بدأت موسكو بتنفيذ استراتيجية “إزالة الاعتماد على الدولار”. من 2014 حتى 2022، زادت احتياطيات البنك المركزي الروسي من الذهب والعملات الأجنبية بأكثر من 300%. في ذات الوقت، أنشأت روسيا نظام نقل معلومات مالي داخلي يتجاوز سويفت (SPFS)، وربطته مباشرة مع نظام الدفع عبر الحدود الصيني (CIPS)، مما سمح بإجراء تسويات سلسة بين الروبل واليوان والذهب — وهو تجاوز جوهري لنظام التسوية بالدولار التقليدي.
الذهب مقابل اليوان، واليوان مقابل البقاء
لماذا ترسل روسيا الذهب باستمرار إلى الصين؟ الظاهر هو الحصول على اليوان، لكن الجوهر هو استخدام الذهب لزيادة فرص البقاء. الحصار التكنولوجي الغربي يهدد الصناعة الروسية بشكل خطير — من الرقائق المتقدمة، إلى الماكينات الدقيقة، ومحامل السيارات، والأجهزة الطبية، حيث تفتقر روسيا إلى القدرة على الإنتاج الذاتي لهذه المنتجات الاستراتيجية في المدى القصير.
شراء هذه السلع بالدولار أصبح مستحيلاً، والاتحاد الأوروبي يسيطر على حصة كبيرة من العملات الأجنبية. الخيار الوحيد هو الذهب. روسيا تستخدم الذهب للحصول على اليوان، ثم تشتري عبره كميات هائلة من المنتجات الصناعية من الصين. تظهر البيانات التجارية أن قائمة الواردات الروسية من الصين تتضمن بشكل كبير محامل، وماكينات دقيقة، ومواد أشباه موصلات، وهي مواد حيوية للصناعة. على الرغم من أن المحامل قد تبدو غير مهمة، إلا أنها تعتبر مكونات أساسية في التصنيع، وتستخدم في السيارات، والآلات، ومعدات الطاقة — وعندما تتعطل سلاسل التوريد المحلية في روسيا، تصبح المحامل القادمة من الصين بمثابة أجزاء إنقاذ.
هذه دورة تجارية جديدة تمامًا: تحويل النفط والغاز والذهب إلى اليوان، واليوان لشراء المنتجات الصناعية، والتي بدورها تضمن استمرار الاقتصاد في العمل، والإنتاج المستمر للنفط والغاز والذهب. النظام بأكمله يعمل بدون الدولار، وبدون سويفت، متحررًا تمامًا من السيطرة المالية الأمريكية. إنها نسخة حديثة من التجارة بالمقايضة — لكن بحجم ودقة يفوقان أي نظام تبادل سلع في المجتمعات الزراعية عبر التاريخ.
يقظة البنوك المركزية العالمية للذهب
الأمر الأكثر إثارة هو أن هذا ليس ظاهرة روسية-صينية معزولة، بل هو إشارة إلى يقظة جماعية للبنوك المركزية حول العالم.
بحلول عام 2025، سجل الطلب على الذهب من قبل البنوك المركزية العالمية رقمًا قياسيًا تاريخيًا. زادت البنك المركزي البولندي احتياطياته من الذهب بمقدار 102 طن، ليصبح أكبر مشترٍ للذهب على مستوى العالم للسنتين على التوالي. تركيا وكازاخستان زادتا احتياطياتهما بمقدار 27 و57 طن على التوالي، محققتين أعلى مستويات على الإطلاق. البنوك المركزية الأوروبية مثل ألمانيا وإيطاليا أطلقت خططًا لـ"توطين الذهب"، بنقل الذهب من المستودعات الخارجية إلى داخل البلاد. بنهاية العام، أصبح 59% من البنوك المركزية حول العالم تخزن احتياطياتها الذهبية محليًا.
بحلول نهاية 2025، بلغت القيمة الإجمالية لذهب البنوك المركزية العالمية 3.92 تريليون دولار، متجاوزة لأول مرة حجم ديون الولايات المتحدة الأمريكية — وهو وضع لم يحدث منذ عام 1996. ماذا يعني هذا التحول؟ البنوك المركزية تتخذ إجراءات فعلية، وتستخدم الذهب كبديل للدولار كرمز للثقة.
ظهور نظام ثلاثي جديد
كان التجارة العالمية سابقًا تهيمن عليها دورة “النفط-الدولار”: حيث يتم تسوية النفط بالدولار، والدولار هو العملة الاحتياطية الدولية، مما يمنح الولايات المتحدة حق إصدار العملة وامتيازات مالية. الآن، يتم كسر هذا النظام الأحادي، ويبرز نظام ثلاثي جديد: الموارد (النفط، الغاز، المعادن) → الذهب (وسيط القيمة) → المنتجات الصناعية (الاقتصاد الحقيقي).
الصين تقع في مركز هذا النظام الثلاثي. تدفق موارد وذهب روسيا نحو الصين، وتستخدم الصين قدراتها الصناعية ونتاجها لدعم السوق العالمية. وأهم ميزة لهذا النظام الجديد هو أنه لا يتطلب مشاركة الدولار على الإطلاق، واحتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية لم تعد مجرد “خزائن للدولار”، بل أصبحت مرساة مباشرة للقيمة.
روسيا، التي كانت خاضعة للعقوبات، أصبحت بشكل غير مقصود رائدة في هذه الثورة المالية.
شاهد النسخة الأصلية
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
الذهب يعيد تشكيل النظام التجاري العالمي: من خلال اختراق روسيا، نرى موجة التخلص من الدولار
تصدير الذهب من روسيا إلى الصين أصبح علامة رئيسية على إعادة تشكيل المشهد الاقتصادي العالمي. وفقًا لإحصائيات الجمارك الصينية لعام 2025، بلغ صافي واردات روسيا من الذهب إلى الصين 25.3 طن، بزيادة هائلة قدرها 800% مقارنة بالعام السابق، محطماً الرقم القياسي في تجارة الذهب بين البلدين. وراء هذا الرقم يكمن قصة كاملة عن كيفية كسر دولة خاضعة للعقوبات للحصار — باستخدام الأصول المادية لتجنب تجميد الحسابات، والتسوية باليوان لتجاوز سيطرة سويفت، وتبادل الذهب مقابل المنتجات الصناعية الضرورية للبقاء على قيد الحياة.
اختراق الذهب في مأزق العقوبات
عندما قامت الغرب بتجميد أصول مالية روسية بقيمة مئات المليارات من الدولارات، ظهرت ظاهرة متناقضة: الدولة التي تعرضت لعقوبات شاملة سرعان ما بدأت تصدير الذهب بشكل متزايد. الجواب يكمن في شكل تجميد الأصول — حيث يتم تجميد “الأرقام على الحسابات”، بينما الذهب هو وجود مادي حقيقي.
احتياطيات الذهب لدى البنك المركزي الروسي موزعة بين المقر الرئيسي في موسكو ومستودعات سرية في الشرق الأقصى، وهذه المعادن المادية لا تعتمد على أي نظام دفع إلكتروني، ولا تتأثر بسيطرة الدولار، مما يمنحها حصانة طبيعية من العقوبات المالية الدولية. بالمقابل، فإن الأصول المجمدة لدى المؤسسات المالية الغربية، رغم ضخامة قيمتها، أصبحت رموزًا رقمية غير فعالة.
روسيا كانت قد أعدت مسبقًا لهذا السيناريو. منذ أزمة القرم في 2014، بدأت موسكو بتنفيذ استراتيجية “إزالة الاعتماد على الدولار”. من 2014 حتى 2022، زادت احتياطيات البنك المركزي الروسي من الذهب والعملات الأجنبية بأكثر من 300%. في ذات الوقت، أنشأت روسيا نظام نقل معلومات مالي داخلي يتجاوز سويفت (SPFS)، وربطته مباشرة مع نظام الدفع عبر الحدود الصيني (CIPS)، مما سمح بإجراء تسويات سلسة بين الروبل واليوان والذهب — وهو تجاوز جوهري لنظام التسوية بالدولار التقليدي.
الذهب مقابل اليوان، واليوان مقابل البقاء
لماذا ترسل روسيا الذهب باستمرار إلى الصين؟ الظاهر هو الحصول على اليوان، لكن الجوهر هو استخدام الذهب لزيادة فرص البقاء. الحصار التكنولوجي الغربي يهدد الصناعة الروسية بشكل خطير — من الرقائق المتقدمة، إلى الماكينات الدقيقة، ومحامل السيارات، والأجهزة الطبية، حيث تفتقر روسيا إلى القدرة على الإنتاج الذاتي لهذه المنتجات الاستراتيجية في المدى القصير.
شراء هذه السلع بالدولار أصبح مستحيلاً، والاتحاد الأوروبي يسيطر على حصة كبيرة من العملات الأجنبية. الخيار الوحيد هو الذهب. روسيا تستخدم الذهب للحصول على اليوان، ثم تشتري عبره كميات هائلة من المنتجات الصناعية من الصين. تظهر البيانات التجارية أن قائمة الواردات الروسية من الصين تتضمن بشكل كبير محامل، وماكينات دقيقة، ومواد أشباه موصلات، وهي مواد حيوية للصناعة. على الرغم من أن المحامل قد تبدو غير مهمة، إلا أنها تعتبر مكونات أساسية في التصنيع، وتستخدم في السيارات، والآلات، ومعدات الطاقة — وعندما تتعطل سلاسل التوريد المحلية في روسيا، تصبح المحامل القادمة من الصين بمثابة أجزاء إنقاذ.
هذه دورة تجارية جديدة تمامًا: تحويل النفط والغاز والذهب إلى اليوان، واليوان لشراء المنتجات الصناعية، والتي بدورها تضمن استمرار الاقتصاد في العمل، والإنتاج المستمر للنفط والغاز والذهب. النظام بأكمله يعمل بدون الدولار، وبدون سويفت، متحررًا تمامًا من السيطرة المالية الأمريكية. إنها نسخة حديثة من التجارة بالمقايضة — لكن بحجم ودقة يفوقان أي نظام تبادل سلع في المجتمعات الزراعية عبر التاريخ.
يقظة البنوك المركزية العالمية للذهب
الأمر الأكثر إثارة هو أن هذا ليس ظاهرة روسية-صينية معزولة، بل هو إشارة إلى يقظة جماعية للبنوك المركزية حول العالم.
بحلول عام 2025، سجل الطلب على الذهب من قبل البنوك المركزية العالمية رقمًا قياسيًا تاريخيًا. زادت البنك المركزي البولندي احتياطياته من الذهب بمقدار 102 طن، ليصبح أكبر مشترٍ للذهب على مستوى العالم للسنتين على التوالي. تركيا وكازاخستان زادتا احتياطياتهما بمقدار 27 و57 طن على التوالي، محققتين أعلى مستويات على الإطلاق. البنوك المركزية الأوروبية مثل ألمانيا وإيطاليا أطلقت خططًا لـ"توطين الذهب"، بنقل الذهب من المستودعات الخارجية إلى داخل البلاد. بنهاية العام، أصبح 59% من البنوك المركزية حول العالم تخزن احتياطياتها الذهبية محليًا.
بحلول نهاية 2025، بلغت القيمة الإجمالية لذهب البنوك المركزية العالمية 3.92 تريليون دولار، متجاوزة لأول مرة حجم ديون الولايات المتحدة الأمريكية — وهو وضع لم يحدث منذ عام 1996. ماذا يعني هذا التحول؟ البنوك المركزية تتخذ إجراءات فعلية، وتستخدم الذهب كبديل للدولار كرمز للثقة.
ظهور نظام ثلاثي جديد
كان التجارة العالمية سابقًا تهيمن عليها دورة “النفط-الدولار”: حيث يتم تسوية النفط بالدولار، والدولار هو العملة الاحتياطية الدولية، مما يمنح الولايات المتحدة حق إصدار العملة وامتيازات مالية. الآن، يتم كسر هذا النظام الأحادي، ويبرز نظام ثلاثي جديد: الموارد (النفط، الغاز، المعادن) → الذهب (وسيط القيمة) → المنتجات الصناعية (الاقتصاد الحقيقي).
الصين تقع في مركز هذا النظام الثلاثي. تدفق موارد وذهب روسيا نحو الصين، وتستخدم الصين قدراتها الصناعية ونتاجها لدعم السوق العالمية. وأهم ميزة لهذا النظام الجديد هو أنه لا يتطلب مشاركة الدولار على الإطلاق، واحتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية لم تعد مجرد “خزائن للدولار”، بل أصبحت مرساة مباشرة للقيمة.
روسيا، التي كانت خاضعة للعقوبات، أصبحت بشكل غير مقصود رائدة في هذه الثورة المالية.