السوق التنبئية هي أداة مالية تستثمر فيها الأموال في أحداث مستقبلية، وتحصل مقابل ذلك على أرباح أو خسائر. ومع ذلك، في السنوات الأخيرة، بدأت تتعزز الشكوك حول أن هذه المنصات ليست مجرد أماكن لحساب الاحتمالات، بل تعمل كوسيلة لغسل المعلومات الداخلية. ففي حين يُمدح بعض المنصات مثل Polymarket بأنها “محرك اكتشاف الحقيقة”، إلا أن هناك تحديات هيكلية مخفية وراء ذلك، وأن “دقة” السوق ذاتها أصبحت إشارة خطر بمعنى جديد.
الكشف عن بنية غسل الأموال من خلال صفقة مادورو
في انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2024، أظهرت Polymarket دقة تفوق وسائل الإعلام الرائدة واستطلاعات الرأي. أدى هذا النجاح إلى انتشار الاعتقاد بأن السوق التنبئية هي آلية متطورة لاكتشاف الحقيقة. لكن الحالة التي ظهرت بعدها كشفت عن المعنى الخطير لـ"الدقة" تلك.
تتمثل في تداولات على Polymarket تتعلق برحيل واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. حساب جديد راهن بما يقرب من 3 ملايين دولار على أن مادورو سيتنحى قبل نهاية الشهر. كانت قيمة السوق في ذلك الوقت تعتبر احتمالية منخفضة جدًا، لكن بعد ساعات قليلة، اعتقلت الشرطة مادورو ووجهت إليه تهم جنائية في نيويورك. وأغلق ذلك الحساب بمكاسب تزيد عن 400 ألف دولار.
ظاهريًا، السوق كانت “صحيحة”. لكن المشكلة العميقة تكمن هنا. إذا كانت هذه المعاملة تعتمد على معلومات داخلية وليست على معلومات عامة، فإن دقة السوق ليست إلا غسل أموال من خلال التداول بناءً على معلومات داخلية. بمعنى آخر، السوق لا “تكتشف الحقيقة”، بل تتيح لمن يملك وصولًا محدودًا للمعلومات أن يحقق أرباحًا بطريقة غسيل الأموال من خلال التداول المبني على المعرفة الحصرية.
نزاع سوق زيلينسكي: آلية انهيار الحوكمة
إذا كانت صفقة مادورو تظهر مشكلة المعلومات الداخلية، فإن “سوق بدلة زيلينسكي” يعكس خللاً أعمق في الحوكمة.
في عام 2025، ظهرت على Polymarket رهانات حول “هل سيرتدي الرئيس الأوكراني زيلينسكي بدلة حتى يوليو؟”، وجمعت مئات الملايين من الدولارات. عندما ظهر زيلينسكي علنًا وهو يرتدي سترة وسروالًا من مصمم أزياء مشهور، وصف الإعلام وخبراء الموضة ذلك بأنه “بدلة”. لكن نظام التحقق من النتائج (الأوراكل) الذي يعمل كآلية حكم، صوت بـ"لا".
المشكلة تكمن في تحيز الحكم. بعض كبار حاملي الرموز كانوا يمتلكون حقوق تصويت كافية لفرض نتائج تتوافق مع مصالحهم. وإذا كان هؤلاء يتحملون مخاطر كبيرة على الجانب الآخر من الرهان، فإن الأرباح الناتجة عن نتائج كاذبة تتجاوز تكاليف تصحيح النظام، فإن الفساد يصبح حتميًا. وهذا دليل على أن النظام يعمل كما هو مصمم، وهو مشكلة جوهرية في بنية الحوافز للحوكمة.
الدلالة على “إشارات الخطر” من خلال الدقة: تدفق المعلومات الداخلية
المؤيدون للسوق التنبئية يزعمون أنه إذا حدثت معاملات داخلية، فإن السوق سيتحرك مبكرًا ويعجل بـ"اكتشاف الحقيقة". لكن هناك خلل جوهري في هذا المنطق.
إذا كانت السوق تعزز دقتها من خلال غسل معلومات سرية، أو تسريبات عسكرية، أو جداول زمنية داخلية للحكومات، فإنها لن تكون سوقًا للمعلومات العامة، بل ستتحول إلى منصة سرية للمبادلات المظلمة.
هناك فرق جوهري بين مكافأة القدرة على التحليل الأفضل، ومكافأة الوصول إلى السلطة. السوق التي تظل غامضة في هذا الحد، لا يمكن أن تتجنب انتباه الجهات التنظيمية. المشكلة ليست في “عدم دقة” السوق، بل في “دقته المفرطة” — أي أن المعلومات التي لا ينبغي أن تكون علنية تظهر بشكل دقيق.
دخول وول ستريت والحدود التنظيمية
نمو السوق التنبئية بشكل هائل يثير مخاوف جديدة. زادت أحجام التداول بشكل كبير، ووصلت قيمة التداولات السنوية على منصات رئيسية مثل Kalshi وPolymarket إلى مئات الملايين من الدولارات. وحدها Kalshi تتعامل مع حوالي 24 مليار دولار من التداولات العام الماضي.
الأهم من ذلك، هو دخول وول ستريت. قدم مساهمو NYSE عرض استحواذ استراتيجي بقيمة تصل إلى 20 مليار دولار على Polymarket، وتقدر قيمة الشركة بنحو 9 مليارات دولار. هذا يشير إلى أن السوق التنبئية تتطور لتصبح كيانًا يقارب الأسواق المالية التقليدية.
وفي الوقت نفسه، تزداد اهتمام الجهات التنظيمية. قدم أعضاء مجلس النواب مثل ريتش تروس مشاريع قوانين تمنع التداول الداخلي، محذرين من أن المعلومات الداخلية قد تعمل كفرصة مسبقة للاستفادة.
الكشف عن القناع: الاعتراف بالمعنى الحقيقي للسوق التنبئية
حتى الآن، كانت السوق التنبئية تتظاهر بأنها “محرك اكتشاف الحقيقة النبيل”. لكن حان الوقت للاعتراف بصراحة بمعناها الحقيقي.
السوق التنبئية، ببساطة، هي أداة مالية للمراهنة على أحداث مستقبلية. لا يتغير جوهرها من خلال تزيينها أو استخدام تقنية البلوكتشين أو إضافة مبررات اقتصادية. المشاركون لا يسعون وراء “رؤية مستقبلية” أو “اكتشاف معلومات”، بل يحققون أرباحًا من خلال التنبؤ الصحيح بنتائج المستقبل.
المشكلة الأساسية تكمن في هذا “التزييف”. طالما أن المنصات تروج لنفسها على أنها “آلات للحقيقة”، فإن كل نزاع قد يُنظر إليه على أنه أزمة وجودية. لكن إذا تم تصنيف السوق التنبئية كأداة مالية عالية المخاطر، فإن النزاعات ستتحول إلى تحديات عملية تتطلب تحسين التنظيم والتصميم، وليس أزمة فلسفية.
بالاعتراف بأن المنصات ليست “محركات معرفية” بل “منتجات مراهنة”، يمكن وضع إطار تنظيمي أكثر وضوحًا وأخلاقية. وعندما تكشف السوق عن حقيقتها، فإن الشفافية الحقيقية ستولد لأول مرة.
شاهد النسخة الأصلية
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
تطهير سوق التوقعات: المخاطر الخفية وراء ذريعة "اكتشاف الحقيقة"
السوق التنبئية هي أداة مالية تستثمر فيها الأموال في أحداث مستقبلية، وتحصل مقابل ذلك على أرباح أو خسائر. ومع ذلك، في السنوات الأخيرة، بدأت تتعزز الشكوك حول أن هذه المنصات ليست مجرد أماكن لحساب الاحتمالات، بل تعمل كوسيلة لغسل المعلومات الداخلية. ففي حين يُمدح بعض المنصات مثل Polymarket بأنها “محرك اكتشاف الحقيقة”، إلا أن هناك تحديات هيكلية مخفية وراء ذلك، وأن “دقة” السوق ذاتها أصبحت إشارة خطر بمعنى جديد.
الكشف عن بنية غسل الأموال من خلال صفقة مادورو
في انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2024، أظهرت Polymarket دقة تفوق وسائل الإعلام الرائدة واستطلاعات الرأي. أدى هذا النجاح إلى انتشار الاعتقاد بأن السوق التنبئية هي آلية متطورة لاكتشاف الحقيقة. لكن الحالة التي ظهرت بعدها كشفت عن المعنى الخطير لـ"الدقة" تلك.
تتمثل في تداولات على Polymarket تتعلق برحيل واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. حساب جديد راهن بما يقرب من 3 ملايين دولار على أن مادورو سيتنحى قبل نهاية الشهر. كانت قيمة السوق في ذلك الوقت تعتبر احتمالية منخفضة جدًا، لكن بعد ساعات قليلة، اعتقلت الشرطة مادورو ووجهت إليه تهم جنائية في نيويورك. وأغلق ذلك الحساب بمكاسب تزيد عن 400 ألف دولار.
ظاهريًا، السوق كانت “صحيحة”. لكن المشكلة العميقة تكمن هنا. إذا كانت هذه المعاملة تعتمد على معلومات داخلية وليست على معلومات عامة، فإن دقة السوق ليست إلا غسل أموال من خلال التداول بناءً على معلومات داخلية. بمعنى آخر، السوق لا “تكتشف الحقيقة”، بل تتيح لمن يملك وصولًا محدودًا للمعلومات أن يحقق أرباحًا بطريقة غسيل الأموال من خلال التداول المبني على المعرفة الحصرية.
نزاع سوق زيلينسكي: آلية انهيار الحوكمة
إذا كانت صفقة مادورو تظهر مشكلة المعلومات الداخلية، فإن “سوق بدلة زيلينسكي” يعكس خللاً أعمق في الحوكمة.
في عام 2025، ظهرت على Polymarket رهانات حول “هل سيرتدي الرئيس الأوكراني زيلينسكي بدلة حتى يوليو؟”، وجمعت مئات الملايين من الدولارات. عندما ظهر زيلينسكي علنًا وهو يرتدي سترة وسروالًا من مصمم أزياء مشهور، وصف الإعلام وخبراء الموضة ذلك بأنه “بدلة”. لكن نظام التحقق من النتائج (الأوراكل) الذي يعمل كآلية حكم، صوت بـ"لا".
المشكلة تكمن في تحيز الحكم. بعض كبار حاملي الرموز كانوا يمتلكون حقوق تصويت كافية لفرض نتائج تتوافق مع مصالحهم. وإذا كان هؤلاء يتحملون مخاطر كبيرة على الجانب الآخر من الرهان، فإن الأرباح الناتجة عن نتائج كاذبة تتجاوز تكاليف تصحيح النظام، فإن الفساد يصبح حتميًا. وهذا دليل على أن النظام يعمل كما هو مصمم، وهو مشكلة جوهرية في بنية الحوافز للحوكمة.
الدلالة على “إشارات الخطر” من خلال الدقة: تدفق المعلومات الداخلية
المؤيدون للسوق التنبئية يزعمون أنه إذا حدثت معاملات داخلية، فإن السوق سيتحرك مبكرًا ويعجل بـ"اكتشاف الحقيقة". لكن هناك خلل جوهري في هذا المنطق.
إذا كانت السوق تعزز دقتها من خلال غسل معلومات سرية، أو تسريبات عسكرية، أو جداول زمنية داخلية للحكومات، فإنها لن تكون سوقًا للمعلومات العامة، بل ستتحول إلى منصة سرية للمبادلات المظلمة.
هناك فرق جوهري بين مكافأة القدرة على التحليل الأفضل، ومكافأة الوصول إلى السلطة. السوق التي تظل غامضة في هذا الحد، لا يمكن أن تتجنب انتباه الجهات التنظيمية. المشكلة ليست في “عدم دقة” السوق، بل في “دقته المفرطة” — أي أن المعلومات التي لا ينبغي أن تكون علنية تظهر بشكل دقيق.
دخول وول ستريت والحدود التنظيمية
نمو السوق التنبئية بشكل هائل يثير مخاوف جديدة. زادت أحجام التداول بشكل كبير، ووصلت قيمة التداولات السنوية على منصات رئيسية مثل Kalshi وPolymarket إلى مئات الملايين من الدولارات. وحدها Kalshi تتعامل مع حوالي 24 مليار دولار من التداولات العام الماضي.
الأهم من ذلك، هو دخول وول ستريت. قدم مساهمو NYSE عرض استحواذ استراتيجي بقيمة تصل إلى 20 مليار دولار على Polymarket، وتقدر قيمة الشركة بنحو 9 مليارات دولار. هذا يشير إلى أن السوق التنبئية تتطور لتصبح كيانًا يقارب الأسواق المالية التقليدية.
وفي الوقت نفسه، تزداد اهتمام الجهات التنظيمية. قدم أعضاء مجلس النواب مثل ريتش تروس مشاريع قوانين تمنع التداول الداخلي، محذرين من أن المعلومات الداخلية قد تعمل كفرصة مسبقة للاستفادة.
الكشف عن القناع: الاعتراف بالمعنى الحقيقي للسوق التنبئية
حتى الآن، كانت السوق التنبئية تتظاهر بأنها “محرك اكتشاف الحقيقة النبيل”. لكن حان الوقت للاعتراف بصراحة بمعناها الحقيقي.
السوق التنبئية، ببساطة، هي أداة مالية للمراهنة على أحداث مستقبلية. لا يتغير جوهرها من خلال تزيينها أو استخدام تقنية البلوكتشين أو إضافة مبررات اقتصادية. المشاركون لا يسعون وراء “رؤية مستقبلية” أو “اكتشاف معلومات”، بل يحققون أرباحًا من خلال التنبؤ الصحيح بنتائج المستقبل.
المشكلة الأساسية تكمن في هذا “التزييف”. طالما أن المنصات تروج لنفسها على أنها “آلات للحقيقة”، فإن كل نزاع قد يُنظر إليه على أنه أزمة وجودية. لكن إذا تم تصنيف السوق التنبئية كأداة مالية عالية المخاطر، فإن النزاعات ستتحول إلى تحديات عملية تتطلب تحسين التنظيم والتصميم، وليس أزمة فلسفية.
بالاعتراف بأن المنصات ليست “محركات معرفية” بل “منتجات مراهنة”، يمكن وضع إطار تنظيمي أكثر وضوحًا وأخلاقية. وعندما تكشف السوق عن حقيقتها، فإن الشفافية الحقيقية ستولد لأول مرة.